ابن كثير

19

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا أي بك وبكتابك وبرسولك ، فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا ، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك ، وَقِنا عَذابَ النَّارِ ثم قال تعالى : الصَّابِرِينَ أي في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات ، وَالصَّادِقِينَ فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة ، وَالْقانِتِينَ والقنوت الطاعة والخضوع وَالْمُنْفِقِينَ أي من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات ، وصلة الأرحام والقرابات ، وسد الخلات « 1 » ، ومواساة ذوي الحاجات وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ دلّ على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار ، وقد قيل : إن يعقوب عليه السلام ، لما قال لبنيه سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي [ يوسف : 98 ] ، إنه أخرهم إلى وقت السحر وثبت في الصحيحين وغيرهما من المساند والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة ، إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال « ينزل اللّه تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير ، فيقول : هل من سائل فأعطيه ؟ هل من داع فأستجيب له ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ « 2 » » الحديث ، وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءا على حدة ، فرواه من طرق متعددة ، وفي الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : « من كل الليل قد أوتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أوله وأوسطه وآخره ، فانتهى وتره إلى السحر » « 3 » ، وكان عبد اللّه بن عمر يصلي من الليل ، ثم يقول : يا نافع ، هل جاء السحر ؟ فإذا قال : نعم ، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح ، رواه ابن أبي حاتم ، وقال ابن جرير « 4 » : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي عن حريث بن أبي مطر ، عن إبراهيم بن حاطب ، عن أبيه ، قال : سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول : يا رب ، أمرتني فأطعتك ، وهذا السحر فاغفر لي ، فنظرت فإذا هو ابن مسعود رضي اللّه عنه . وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال : كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 18 إلى 20 ] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 19 ) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 20 )

--> ( 1 ) الخلة : الحاجة والفقر . ( 2 ) صحيح البخاري ( تهجد باب 14 ) وصحيح مسلم ( مسافرين حديث 168 - 170 ) وسنن أبي داود ( سنة باب 19 ) وسنن الترمذي ( صلاة باب 211 ودعوات باب 78 ) وسنن ابن ماجة ( إقامة باب 182 ) ( 3 ) صحيح البخاري ( وتر باب 2 ) وصحيح مسلم ( مسافرين حديث 136 - 138 ) ( 4 ) تفسير الطبري 3 / 208 .